الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

205

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

ونحن نقول : كما يمكن إسقاط أحد الحكمين في هذين الموردين عن الفعليّة والقول باقتضاء العلم الإجمالي للتنجّز ، كذلك يمكن في المقام أيضاً إسقاط الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال عن الفعليّة وبذلك يرتفع إشكال التناقض . وعلى هذا فلا يمكن إثبات حرمة المخالفة القطعيّة من ناحية لزوم التناقض . والقول بأنّ العلم الإجمالي علّة تامّة للتنجّز مطلقاً ممّا لا دليل عليه ، بل يمكن أن يكون هناك مانع عن التنجّز ، فعلينا الفحص عن وجود المانع في الأدلّة النقليّة ، فإن ظفرنا على رواية مرخّصة تمنع عن نفوذ المقتضي فهو ، وإلّا فيتنجّز العلم الإجمالي لوجود المقتضي وفقدان المانع . فنقول : هاهنا روايات يمكن أن يستدلّ بها على الترخيص في أطراف العلم الإجمالي : منها : عدّة روايات وردت في الجبن أظهرها دلالة ما رواه معاوية بن عمّار عن رجل من أصحابنا قال : كنت عند أبي جعفر عليه السلام فسأله رجل عن الجبن فقال أبو جعفر عليه السلام : « إنّه لطعام يعجبني وسأخبرك عن الجبن وغيره ، كلّ شيء فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام فتدعه بعينه » « 1 » ، فإنّ قوله « بعينه » قيد للضمير في « تدعه » ظاهر في العلم التفصيلي . ومنها : ما رواه الحلبي قال : سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول : « إذا اختلط الذكي بالميّت باعه ممّن يستحلّ الميتة وكل ثمنه » « 2 » ، ودلالته ظاهرة من جهة إجازة بيع كليهما . ومنها : ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال : سألته عن الدقيق يقع فيه خرؤ الفأر هل يصلح أكله إذا عجن مع الدقيق ؟ قال : « إذا لم تعرفه فلا بأس وإن عرفته فلتطرحه » « 3 » .

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 17 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، ح 7 ( 2 ) . المصدر السابق ، ج 16 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المحرّمة ، الباب 36 ، ح 1 ( 3 ) . المصدر السابق ، ج 17 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المحرّمة ، الباب 64 ، ح 3